• ×
الخميس 5 مارس 2026 | 03-04-2026

ماذا تفعل الشائعات بالأفراد خلال الحرب ؟ ..

ماذا تفعل الشائعات بالأفراد خلال الحرب ؟ ..
0
0
الآن -


المعارك في وقت الحرب لا تكون محصورة في ميادين القتال، بل تمتد إلى العقول والقلوب. فالكلمة قد تتحول إلى سلاح، والخبر غير المؤكد قد يفعل ما لا تفعله القذائف ، في ظل الخوف، وغياب المعلومات الدقيقة، وتضارب الروايات، تجد الشائعة بيئة خصبة للانتشار، فتتسلل إلى النفوس بسرعة وتبدأ بتشكيل وعي الأفراد وسلوكهم دون أن يشعروا.
يعيش الإنسان في زمن الحرب حالة ترقب دائم، وعندما يسمع أخبارًا عن هجوم وشيك أو انهيار وشيك للأوضاع، حتى لو لم تكن صحيحة، يتعامل معها على أنها حقيقة.
تتسارع دقات القلب، ويضطرب النوم، ويزداد التوتر، ويصبح الشعور بالأمان هشًا.
ومع تكرار الأخبار المخيفة، يتحول الخوف من رد فعل مؤقت إلى حالة مزمنة تسيطر على التفكير وتؤثر في القدرة على اتخاذ القرار.
ثم تأتي مرحلة زعزعة الثقة. فالشائعة تخلق مناخًا من الشك المتبادل، حيث يبدأ الفرد بالتساؤل عن صدق من حوله، وعن مصداقية وسائل الإعلام، وحتى عن نوايا المؤسسات الرسمية.
ومع تراكم الأخبار المتناقضة، يضعف الإحساس باليقين، ويحل محله الارتياب.
وفي وقت تحتاج فيه المجتمعات إلى التضامن والتكاتف، قد تؤدي الشائعات إلى تفكك داخلي وصراعات خفية.
كما تترك أثرًا عميقًا على الصحة النفسية. فالإغراق المستمر في الأخبار السلبية والمبالغ فيها يعزّز الشعور بالعجز وفقدان السيطرة.
يشعر البعض أن المستقبل مظلم وأن الخطر يحيط بهم من كل جانب، حتى لو لم يكن الواقع بهذه الصورة القاتمة.
ومع استمرار هذا الضغط النفسي، قد تظهر أعراض الاكتئاب أو الصدمة، ليس فقط بسبب الأحداث الفعلية، بل بسبب الصورة الذهنية التي رسمتها الشائعات عن تلك الأحداث.
ولا يتوقف تأثيرها عند الجانب النفسي، بل يمتد إلى السلوك ، فقد تدفع الناس إلى قرارات متسرعة، كالهروب من أماكن آمنة، أو تخزين المواد بشكل مبالغ فيه، أو الامتناع عن الاستفادة من خدمات ضرورية بسبب أخبار غير مؤكدة.
وهكذا تتحول الشائعة إلى قوة خفية توجّه تصرفات الأفراد، وتعيد تشكيل الحياة اليومية بطريقة قد تزيد من حِدّة الأزمة بدل أن تخففها.
وأخطر ما في الشائعات خلال الحروب أنها قد تمزق الروابط الاجتماعية ، وتنشأ مشاعر العداء والانقسام ، ويبدأ الناس في تصنيف بعضهم بعضًا على أساس الشك، وليس على أساس الثقة والانتماء المشترك ، ليصبح المجتمع ضعيفًا من الداخل، حتى لو صمد أمام الخطر الخارجي.

إن الشائعة في زمن الحرب ليست مجرد خبر عابر، بل طاقة نفسية واجتماعية قادرة على إعادة تشكيل الواقع في أذهان الناس ، لذلك فإن الوعي، والتثبت من المعلومات، والتمسك بالعقلانية، تمثل خط الدفاع الأول لحماية الفرد والمجتمع والوطن .