• ×
الأحد 2 أغسطس 2026 | 08-01-2026

ليس كل انتصار .. فوزًا

ليس كل انتصار .. فوزًا
0
0
الآن -


ثمّة معارك لا يُرفع بعدها علم، ولا تُكتب في صفحات التاريخ، ولا يخرج منها منتصرٌ حقيقي. معارك تبدأ بكلمة، ثم تكبر حتى يظن أصحابها أن التراجع هزيمة، وأن آخر المتحدثين هو أول المنتصرين

لكن الحقيقة شيءٌ آخر..

فالإنسان لا يُرهقه دائمًا ثقل الأعمال، بل قد تُثقله الكلمات التي لا تُثمر، والحوارات التي تدور حول نفسها، والجدل الذي يستهلك العقل أكثر مما يغذيه.

ولأن لكل إنسانٍ رأيًا، فقد خُلقت مساحةٌ للحوار، لا للصدام.
وما أجمل أن تختلف العقول وهي تبحث عن الحقيقة، وما أقسى أن تختلف وهي تبحث عن الغلبة.

إن الحوار يشبه طريقًا يسير فيه اثنان نحو وجهةٍ واحدة، أما الجدل العقيم فطريقان متعاكسان، يُصر كلُّ سالكٍ فيهما على أن الآخر هو من يسير في الاتجاه الخطأ.

وليس أثمن في الحياة من الوقت.
ومع ذلك، نهبه أحيانًا لقضايا لا تزيدنا علمًا، ولا تقربنا من فهم، ولا تترك في أرواحنا سوى شيءٍ من التعب.
نمضي ساعاتٍ ندافع عن فكرةٍ لن تتغير، أو نرد على كلمةٍ كان يمكن أن يطويها الصمت، حتى نكتشف متأخرين أن ما خسرناه أكبر بكثير مما كنا نظن أننا سنربحه.

العاقل لا يخشى أن يقول: “أفهم وجهة نظرك”، ولا ينتقصه أن يترك حديثًا لا أفق له.
فهو يدرك أن قيمة الإنسان ليست في كثرة ما يغلب من الناس، بل في قلة ما يخسر من نفسه.

وما أكثر الذين انتصروا في الجدل .. ثم خسروا صديقًا، أو أغلقوا باب مودة، أو أورثوا قلبًا ضيقًا لم يكن ليستحق كل ذلك.

ولعل من علامات النضج أن يدرك المرء أن الصمت ليس دائمًا عجزًا، كما أن الكلام ليس دائمًا قوة. فهناك صمتٌ يحفظ الكرامة، وكلمةٌ تهدمها.
وهناك انسحابٌ من جدلٍ عقيم يُعد انتصارًا للحكمة، لا هروبًا من المواجهة.

حينها فقط، يصبح السؤال مختلفًا.

هل أستطيع أن أرد؟ ..
بل: هل يستحق هذا الأمر أن أُضيِّع من أجله شيئًا من عمري؟

فالعمر لا يُقاس بعدد الكلمات التي قلناها، ولا بعدد المرات التي غلبنا فيها غيرنا، بل بعدد اللحظات التي اخترنا فيها الحكمة على الضجيج، والمعنى على الاستعراض، والحوار على الجدل.

ولعل أجمل الانتصارات .. تلك التي لا يُصفق لها أحد، لأنها تحدث في الداخل؛ يوم ينتصر الإنسان على رغبته في أن تكون له الكلمة الأخيرة، ويكتفي بأن تكون له النفس الأكثر اتزانًا .