• ×
السبت 8 أغسطس 2026 | 08-07-2026

حين يحاول الإرهاب سرقة الغد ..

حين يحاول الإرهاب سرقة الغد ..
0
0
الآن -

لم يكن الإرهاب يومًا مجرد جريمة عابرة أو اعتداء يستهدف أفرادًا في مكانٍ وزمانٍ محددين، بل هو محاولة ممنهجة لضرب مقومات الحياة، وإرباك المجتمعات، وسرقة مستقبلها.
فكل عمل إرهابي يحمل في طياته رسالةً قوامها الخوف، وهدفها تعطيل مسيرة البناء وإشغال الأمم عن أولوياتها.

وحين ينفجر الإرهاب في أي بقعة من العالم، فإن أول ما يُستهدف هو الإنسان؛ أمنه، وطمأنينته، وثقته بأن الغد سيكون أفضل.
لكن الخسارة لا تتوقف عند هذا الحد، إذ تمتد آثارها إلى المدارس والجامعات، وإلى الاقتصاد والاستثمار، والسياحة، وسوق العمل، لتنعكس على جودة الحياة وفرص الأجيال القادمة.

إن الإرهاب لا يبني فكرة، ولا يحقق قضية، ولا يصنع مستقبلًا ، إنه لا يجيد سوى الهدم، ويقتات على الفوضى، ويستغل الجهل والتطرف ليحوّل الاختلاف إلى صراع، والتنوع إلى انقسام.
ولهذا فإن أخطر ما يخلِّفه ليس الدمار المادي فحسب، بل محاولته تمزيق النسيج الاجتماعي وزرع الشك بين أبناء المجتمع الواحد.

وفي المقابل، أثبتت التجارب أن المجتمعات التي تستثمر في التعليم، وتعزِّز قيم الاعتدال، وتتمسك بسيادة القانون، قادرة على تجفيف منابع التطرف قبل أن تتحول إلى تهديد.
فالمعركة مع الإرهاب ليست أمنية فقط، بل هي أيضًا معركة وعي، وثقافة، وتنمية، ومسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة، وتمر بالمدرسة، وتصل إلى وسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع كافة.

لقد أدركت دول كثيرة أن حماية المستقبل لا تتحقق بمواجهة الإرهاب بعد وقوعه فحسب، بل بمنع الظروف التي تسمح للأفكار المتطرفة بالنمو، وترسيخ قيم الحوار، واحترام الإنسان، والانتماء الوطني، والتعايش بين أفراد المجتمع.

ويبقى الإرهاب، مهما حاول أن ينشر الظلام، عاجزًا عن إيقاف مسيرة الشعوب التي تؤمن بالحياة. فالتاريخ يخبرنا أن البناء أطول عمرًا من الهدم، وأن الحضارات لا تُقاس بما واجهته من تحديات، بل بقدرتها على تجاوزها.
ولذلك فإن مستقبل الأمم لا يكتبه دعاة العنف، وإنما يصنعه العلماء، والمعلمون، والمبدعون، وكل يدٍ تعمل بإخلاص من أجل غدٍ أكثر أمنًا وازدهارًا.

ليس الإرهاب مجرد دخانٍ يتصاعد بعد انفجار، ولا أرقامًا تُضاف إلى نشرات الأخبار، بل هو محاولة يائسة لسرقة الغد من بين أيدي الشعوب.
إنه يريد أن يُقنع الإنسان بأن الخوف أقوى من الأمل، وأن الهدم أسرع من البناء، وأن الحياة يمكن أن تتوقف برصاصة أو عبوة.

لكن التاريخ يروي قصةً مختلفة؛ فكم من مدنٍ نهضت بعد أن ظن العالم أنها لن تقوم، وكم من شعوبٍ داوت جراحها، وأعادت بناء مدارسها وجامعاتها وبيوتها، وأثبتت أن الحياة تملك قدرةً عجيبة على الانتصار.

لهذا، فإن أعظم هزيمة للإرهاب ليست في القبض على منفذيه فحسب، بل في أن يستمر طفلٌ في الذهاب إلى مدرسته مطمئنًا، وأن يزرع مزارعٌ أرضه، وأن يفتح تاجرٌ متجره، وأن يواصل الباحثُ اكتشافه، وأن يبتسم الناس للحياة رغم كل ما أراده دعاة الظلام.
فالأمم لا يحميها السلاح وحده، بل يحميها الوعي، ويصونها التلاحم، ويبنيها العلم، ويقودها الإيمان بأن المستقبل حقٌ للأحياء، لا ساحةٌ يعبث بها دعاة الموت .


فُضْلة المداد :
قد ينجح الإرهاب في إحداث جرح، لكنه يعجز عن إيقاف نبض الحياة.
وقد يزرع الخوف لبرهة، لكنه لا يستطيع اقتلاع الإيمان بالمستقبل من قلوب الشعوب.
فالدول التي تتمسك بقيمها، تدرك أن البناء وإن طال طريقه، أبقى أثرًا من الهدم، وأن الوعي لا تنطفئ شعلته أمام عتمة التطرف.

ولهذا يبقى الإرهاب، مهما اشتد وتعددت صوره، عاجزًا عن هزيمة أمةٍ تؤمن بالحياة، وتكتب مستقبلها بيدٍ تبني، لا بيدٍ تهدم .